تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

خلف جدران الصمت… حكاية العالية/ مريم فاضل عباس


لم تكن على جسدها كدمات أو جروح يمكن للآخرين رؤيتها. كانت جروحها أعمق من أن تُرى؛ كلمات تتكرر كل يوم، وكرامة تتآكل في صمت، وامرأة بدأت تفقد ثقتها بنفسها، إلى أن رأت خوفها يتجسد في عيني ابنتها الصغيرة.
اسمي العالية. أعيش فيما يُعرف اليوم بـ«ما وراء مدريد». قد أمرّ أمامك في الشارع دون أن تلاحظ شيئًا على وجهي. ربما تراني امرأة عادية، منشغلة بأطفالها وشؤون بيتها، تبتسم حين يبتسم الآخرون، وتجيب عن أسئلتهم بأن كل شيء على ما يرام. لكن ما لا يعرفه أحد هو أنني كنت أحمل في داخلي حكاية لم أجرؤ على روايتها، وأن خلف أبواب بيتي كان يدور صراع صامت، لا يترك آثارًا ظاهرة على الجسد، لكنه خلّف في الروح ندوبًا عميقة.
لم يبدأ الأمر في يوم واحد. كان أشبه بشقّ في جدار لا يلاحظه أحد؛ كلمة جارحة هنا، وإهانة هناك، ثم انتقاص مستمر من قيمتي ورأيي ومشاعري. لم يكن زوجي يترك لي مجالًا للتعبير عن نفسي دون أن أشعر بأنني مخطئة أو أبالغ في الأمور، حتى أصبحت أتردد قبل الكلام، وأحسب كل حركة من حركاتي، خوفًا من أن يتحول أبسط نقاش إلى فرصة جديدة لإهانتي.
في البداية، كنت أبحث له عن الأعذار. كنت أقول لنفسي إن الغضب قد يدفع الإنسان أحيانًا إلى قول ما لا يقصده، وإن ضغوط الحياة والمسؤوليات قد تجعل العلاقة أكثر توترًا. كنت أتذكر نصائح أمي عن الصبر والحفاظ على الأسرة، وأقنع نفسي بأن المرأة الحكيمة هي التي تعرف كيف تعبر العواصف وتحافظ على بيتها.
وهكذا صمتُّ.
صمتُّ حين مُسّت كرامتي، وابتلعت دموعي في أوقات لم يكن فيها أحد ليسألني عمّا يؤلمني. وكلما اخترت الصمت، كنت أظن أنني أتجنب مشكلة جديدة، بينما كنت أفقد شيئًا آخر من ثقتي بنفسي.
ومع مرور الوقت، عشت في حالة دائمة من الحذر والترقب. كنت أراجع كلماتي قبل أن أنطق بها، وأعيد تفاصيل المواقف في رأسي، متسائلة إن كنت قد أخطأت. وكان الأصعب من ذلك أنني بدأت أصدق جزءًا مما يُقال لي؛ فعندما يسمع الإنسان باستمرار أنه لا يفهم شيئًا، وأن رأيه لا قيمة له، قد يصل به الأمر إلى الشك حتى في أبسط أحكامه.
كنت أمًّا لعدة أطفال، وكانت مسؤولياتي تجاههم تملأ أيامي. كنت أحاول أن أوفر لهم حياة طبيعية، وأن أخفي عنهم ما استطعت من ألمي، وأن أبدو قوية أمامهم، حتى في الأيام التي كنت أشعر فيها بأنني لم أعد أملك القوة لنفسي. كنت أظن أن الأطفال لا يفهمون ما يحدث ما دمت لا أتحدث أمامهم عمّا أشعر به، ولم أكن أدرك أن الخوف لا يحتاج دائمًا إلى كلمات حتى ينتقل إليهم.
ثم جاءت تلك الليلة التي غيّرت نظرتي إلى حياتي تمامًا.
ارتفعت الأصوات من جديد في البيت، وعادت الكلمات القاسية التي اعتدت سماعها. وبينما كان كل ذلك يحدث، وقعت عيناي على ابنتي الصغيرة، ذات الأعوام الأربعة، وهي منكمشة في زاوية الغرفة، تضم ركبتيها إلى صدرها، وتنظر إلينا بعينين تملؤهما الرهبة.
توقفت للحظة. لم تكن تلك المرة الأولى التي ترى فيها أجواء التوتر في البيت، لكن نظرتها أجبرتني على مواجهة حقيقة كنت أهرب منها منذ زمن طويل. رأيت فيها شيئًا أعرفه جيدًا: ذلك الخوف الذي اعتدت إخفاءه، وتلك الحيرة التي عشتها، والرغبة في أن يتوقف الألم دون أن أضطر إلى قول كلمة واحدة.
للمرة الأولى، لم أفكر في نفسي وحدي. تساءلت: ماذا ستتعلم ابنتي وهي تراني أتحمل الإهانة في صمت؟ هل ستكبر وهي تعتقد أن من الطبيعي أن تُنتقص المرأة، وأن عليها أن تتنازل عن كرامتها من أجل الحفاظ على أسرتها؟ وماذا عن أطفالي الآخرين الذين يرون ما يحدث دون أن يستطيعوا فهمه أو تغييره؟
كانت تلك اللحظة أشد إيلامًا من كل الكلمات التي سمعتها خلال السنوات الماضية.
قلت لنفسي بصوت خافت: «لقد تحملت الكثير، وأقنعت نفسي بأن صمتي يحمي بيتي. لكنني لا أريد لأطفالي أن يكبروا وهم يعتقدون أن الإهانة أمر طبيعي، ولا أريد لابنتي أن تتعلم أن الخوف هو قدر المرأة».
أدركت حينها أن صمتي لم يكن يحمي أطفالي كما كنت أعتقد، وأن العنف لا يحتاج إلى ضرب أو اعتداء جسدي حتى يترك آثاره في الأسرة. فهناك كلمات تهدم ثقة الإنسان بنفسه، وإهانات قد تترك في الروح جروحًا أعمق من أي أثر ظاهر.
ومع ذلك، لم يكن الاعتراف بما أعيشه كافيًا لاتخاذ الخطوة التالية. كان عليّ أن أواجه خوفًا آخر: خوف المجتمع والأحكام التي تلاحق المرأة عندما تتحدث عن مشكلاتها الزوجية. كنت أخشى أن أضطر إلى تبرير شكواي، وأن يُختزل ما عشته في عبارة مألوفة: «اصبري من أجل أطفالك»، دون أن يسألني أحد عن الثمن النفسي الذي أدفعه كل يوم.
في تلك الفترة، كانت إحدى جاراتي تعمل في الصحافة، وتهتم بقضايا المرأة والأسرة، ولديها صلات بعدد من الجمعيات والمنظمات العاملة في مجال حقوق المرأة، وكذلك بالجهات المعنية بقضايا النساء والأطفال.
وبعد تردد طويل، قررت أن أتحدث إليها، وأن أخرج جزءًا مما كنت أخفيه في أعماقي.
استمعت إليّ دون أن تحكم عليّ أو تقاطعني، ولم تتعامل مع حكايتي باعتبارها مجرد خلاف عائلي عابر. ساعدتني على فهم أن العنف لا يكون بالضرورة اعتداءً جسديًا، بل قد يكون إهانة مستمرة، واحتقارًا، وترهيبًا، أو محاولة دائمة لسلب المرأة ثقتها بنفسها وإشعارها بأنها بلا قيمة. كما عرّفتني على جهات وجمعيات يمكنها تقديم التوجيه والمرافقة للنساء اللواتي يعشن ظروفًا مشابهة.
لم تكن تلك المحادثة نهاية معاناتي، لكنها كانت بداية استعادة صوتي. بدأت أفهم أن الصبر لا يعني قبول الإهانة إلى ما لا نهاية، وأن طلب المساعدة ليس عيبًا، وأن كرامتي ليست ثمنًا يجب أن أدفعه للحفاظ على أسرتي.
واليوم، بينما أجلس أمام التلفاز وأتابع نشرة الأخبار، شعرت بأن شيئًا من الأمل الذي افتقدته طويلًا بدأ يطرق باب قلبي من جديد. رأيت نائبات موريتانيات يتقدمن بمقترح قانون جديد لمكافحة العنف ضد النساء والفتيات وحمايتهن. وقد أطلقن عليه اسم «قانون مودة».
توقفت طويلًا عند هذا الاسم. ما أبسط كلمة «مودة»، وما أشد افتقادنا لمعناها حين تتحول العلاقة التي يفترض أن تقوم على الرحمة والاحترام إلى مساحة للإهانة والسيطرة!
سعدت برؤية حراك تشريعي وطني يستند إلى مرجعيتنا الإسلامية، ويؤكد أن الحياة الزوجية ينبغي أن تقوم على الإحسان والرحمة، وأن كرامة الإنسان ليست محلًا للمساومة. شعرت، وأنا أتابع هذا المشهد، بأن الأصوات التي ظلت لسنوات حبيسة البيوت بدأت تجد طريقها إلى الفضاء العام، وبأن هناك أملًا في أن تتحول معاناة النساء إلى وعي مجتمعي، ثم إلى حماية قانونية ومؤسسية حقيقية.
لم أعد أرى حكايتي مجرد ألم شخصي، بل أراها جزءًا من حكايات نساء كثيرات ربما يعشن المعاناة نفسها، دون أن يمتلكن الشجاعة أو الفرصة للحديث عنها. ولعل هذا ما جعلني أشعر بأن اسم «مودة» يحمل بالنسبة إليّ معنى أكبر من مجرد مقترح قانوني؛ إنه تذكير بما ينبغي أن تكون عليه الأسرة، وبأن الرحمة لا تجتمع مع الإهانة، وأن المودة لا تعني السيطرة، وأن الصمت ليس دليلًا على الرضا.
لا أقول إن الطريق أصبح سهلًا، ولا إن سنوات الألم قد اختفت لمجرد أنني قررت الكلام. ما زلت أتعلم كيف أستعيد ثقتي بنفسي، وأحمي كرامتي، وأوفر لأطفالي بيئة أكثر أمانًا واستقرارًا. لكنني لم أعد تلك المرأة التي تبتلع كلماتها خوفًا من مواجهة جديدة. أعرف الآن أن لي صوتًا، وأن من حقي أن أستخدمه.
إلى كل امرأة تعيش خلف الأبواب المغلقة حكاية تشبه حكايتي، أقول: لا تنتظري حتى يترك العنف أثرًا على جسدك لتدركي أنه موجود. فهناك جروح لا يراها أحد، وكلمات تهدم ما لا تستطيع الأيدي هدمه. لا تظني أن اعتيادك على الألم دليل على أنه أمر طبيعي، ولا تسمحي لأحد بأن يقنعك بأن كرامتك ثمن يجب أن تدفعيه للحفاظ على أسرتك.
وإلى كل أم: لا تدعي أطفالك يعتادون رؤيتك مكسورة، ولا تجعليهم يعتقدون أن الخوف هو لغة البيوت، أو أن الإهانة جزء من الحياة الزوجية. إن شجاعتك في طلب المساعدة والدفاع عن كرامتك قد تكون أول درس يتعلمونه عن الاحترام والأمان.
أما أنا، فقد تعلمت أن المودة التي ننشدها لا تبدأ بالقوانين وحدها، بل باحترام الإنسان داخل بيته، والاعتراف بحقه في أن يعيش دون خوف أو إهانة. وأتمنى أن يكون مقترح «قانون مودة» خطوة حقيقية نحو مستقبل لا تضطر فيه أي امرأة أخرى إلى انتظار رؤية الخوف في عيني ابنتها حتى تدرك أنها تستحق حياة أفضل.
فبعض الجدران لا تنهار تحت وقع الضربات، بل تحت ثقل الكلمات…
وبعض الصباحات لا تشرق في السماء فحسب، بل تولد أولًا في قلب امرأة قررت أخيرًا ألا تصمت.خلف جدران الصمت… حكاية العالية
لم تكن على جسدها كدمات أو جروح يمكن للآخرين رؤيتها. كانت جروحها أعمق من أن تُرى؛ كلمات تتكرر كل يوم، وكرامة تتآكل في صمت، وامرأة بدأت تفقد ثقتها بنفسها، إلى أن رأت خوفها يتجسد في عيني ابنتها الصغيرة.
اسمي العالية. أعيش فيما يُعرف اليوم بـ«ما وراء مدريد». قد أمرّ أمامك في الشارع دون أن تلاحظ شيئًا على وجهي. ربما تراني امرأة عادية، منشغلة بأطفالها وشؤون بيتها، تبتسم حين يبتسم الآخرون، وتجيب عن أسئلتهم بأن كل شيء على ما يرام. لكن ما لا يعرفه أحد هو أنني كنت أحمل في داخلي حكاية لم أجرؤ على روايتها، وأن خلف أبواب بيتي كان يدور صراع صامت، لا يترك آثارًا ظاهرة على الجسد، لكنه خلّف في الروح ندوبًا عميقة.
لم يبدأ الأمر في يوم واحد. كان أشبه بشقّ في جدار لا يلاحظه أحد؛ كلمة جارحة هنا، وإهانة هناك، ثم انتقاص مستمر من قيمتي ورأيي ومشاعري. لم يكن زوجي يترك لي مجالًا للتعبير عن نفسي دون أن أشعر بأنني مخطئة أو أبالغ في الأمور، حتى أصبحت أتردد قبل الكلام، وأحسب كل حركة من حركاتي، خوفًا من أن يتحول أبسط نقاش إلى فرصة جديدة لإهانتي.
في البداية، كنت أبحث له عن الأعذار. كنت أقول لنفسي إن الغضب قد يدفع الإنسان أحيانًا إلى قول ما لا يقصده، وإن ضغوط الحياة والمسؤوليات قد تجعل العلاقة أكثر توترًا. كنت أتذكر نصائح أمي عن الصبر والحفاظ على الأسرة، وأقنع نفسي بأن المرأة الحكيمة هي التي تعرف كيف تعبر العواصف وتحافظ على بيتها.
وهكذا صمتُّ.
صمتُّ حين مُسّت كرامتي، وابتلعت دموعي في أوقات لم يكن فيها أحد ليسألني عمّا يؤلمني. وكلما اخترت الصمت، كنت أظن أنني أتجنب مشكلة جديدة، بينما كنت أفقد شيئًا آخر من ثقتي بنفسي.
ومع مرور الوقت، عشت في حالة دائمة من الحذر والترقب. كنت أراجع كلماتي قبل أن أنطق بها، وأعيد تفاصيل المواقف في رأسي، متسائلة إن كنت قد أخطأت. وكان الأصعب من ذلك أنني بدأت أصدق جزءًا مما يُقال لي؛ فعندما يسمع الإنسان باستمرار أنه لا يفهم شيئًا، وأن رأيه لا قيمة له، قد يصل به الأمر إلى الشك حتى في أبسط أحكامه.
كنت أمًّا لعدة أطفال، وكانت مسؤولياتي تجاههم تملأ أيامي. كنت أحاول أن أوفر لهم حياة طبيعية، وأن أخفي عنهم ما استطعت من ألمي، وأن أبدو قوية أمامهم، حتى في الأيام التي كنت أشعر فيها بأنني لم أعد أملك القوة لنفسي. كنت أظن أن الأطفال لا يفهمون ما يحدث ما دمت لا أتحدث أمامهم عمّا أشعر به، ولم أكن أدرك أن الخوف لا يحتاج دائمًا إلى كلمات حتى ينتقل إليهم.
ثم جاءت تلك الليلة التي غيّرت نظرتي إلى حياتي تمامًا.
ارتفعت الأصوات من جديد في البيت، وعادت الكلمات القاسية التي اعتدت سماعها. وبينما كان كل ذلك يحدث، وقعت عيناي على ابنتي الصغيرة، ذات الأعوام الأربعة، وهي منكمشة في زاوية الغرفة، تضم ركبتيها إلى صدرها، وتنظر إلينا بعينين تملؤهما الرهبة.
توقفت للحظة. لم تكن تلك المرة الأولى التي ترى فيها أجواء التوتر في البيت، لكن نظرتها أجبرتني على مواجهة حقيقة كنت أهرب منها منذ زمن طويل. رأيت فيها شيئًا أعرفه جيدًا: ذلك الخوف الذي اعتدت إخفاءه، وتلك الحيرة التي عشتها، والرغبة في أن يتوقف الألم دون أن أضطر إلى قول كلمة واحدة.
للمرة الأولى، لم أفكر في نفسي وحدي. تساءلت: ماذا ستتعلم ابنتي وهي تراني أتحمل الإهانة في صمت؟ هل ستكبر وهي تعتقد أن من الطبيعي أن تُنتقص المرأة، وأن عليها أن تتنازل عن كرامتها من أجل الحفاظ على أسرتها؟ وماذا عن أطفالي الآخرين الذين يرون ما يحدث دون أن يستطيعوا فهمه أو تغييره؟
كانت تلك اللحظة أشد إيلامًا من كل الكلمات التي سمعتها خلال السنوات الماضية.
قلت لنفسي بصوت خافت: «لقد تحملت الكثير، وأقنعت نفسي بأن صمتي يحمي بيتي. لكنني لا أريد لأطفالي أن يكبروا وهم يعتقدون أن الإهانة أمر طبيعي، ولا أريد لابنتي أن تتعلم أن الخوف هو قدر المرأة».
أدركت حينها أن صمتي لم يكن يحمي أطفالي كما كنت أعتقد، وأن العنف لا يحتاج إلى ضرب أو اعتداء جسدي حتى يترك آثاره في الأسرة. فهناك كلمات تهدم ثقة الإنسان بنفسه، وإهانات قد تترك في الروح جروحًا أعمق من أي أثر ظاهر.
ومع ذلك، لم يكن الاعتراف بما أعيشه كافيًا لاتخاذ الخطوة التالية. كان عليّ أن أواجه خوفًا آخر: خوف المجتمع والأحكام التي تلاحق المرأة عندما تتحدث عن مشكلاتها الزوجية. كنت أخشى أن أضطر إلى تبرير شكواي، وأن يُختزل ما عشته في عبارة مألوفة: «اصبري من أجل أطفالك»، دون أن يسألني أحد عن الثمن النفسي الذي أدفعه كل يوم.
في تلك الفترة، كانت إحدى جاراتي تعمل في الصحافة، وتهتم بقضايا المرأة والأسرة، ولديها صلات بعدد من الجمعيات والمنظمات العاملة في مجال حقوق المرأة، وكذلك بالجهات المعنية بقضايا النساء والأطفال.
وبعد تردد طويل، قررت أن أتحدث إليها، وأن أخرج جزءًا مما كنت أخفيه في أعماقي.
استمعت إليّ دون أن تحكم عليّ أو تقاطعني، ولم تتعامل مع حكايتي باعتبارها مجرد خلاف عائلي عابر. ساعدتني على فهم أن العنف لا يكون بالضرورة اعتداءً جسديًا، بل قد يكون إهانة مستمرة، واحتقارًا، وترهيبًا، أو محاولة دائمة لسلب المرأة ثقتها بنفسها وإشعارها بأنها بلا قيمة. كما عرّفتني على جهات وجمعيات يمكنها تقديم التوجيه والمرافقة للنساء اللواتي يعشن ظروفًا مشابهة.
لم تكن تلك المحادثة نهاية معاناتي، لكنها كانت بداية استعادة صوتي. بدأت أفهم أن الصبر لا يعني قبول الإهانة إلى ما لا نهاية، وأن طلب المساعدة ليس عيبًا، وأن كرامتي ليست ثمنًا يجب أن أدفعه للحفاظ على أسرتي.
واليوم، بينما أجلس أمام التلفاز وأتابع نشرة الأخبار، شعرت بأن شيئًا من الأمل الذي افتقدته طويلًا بدأ يطرق باب قلبي من جديد. رأيت نائبات موريتانيات يتقدمن بمقترح قانون جديد لمكافحة العنف ضد النساء والفتيات وحمايتهن. وقد أطلقن عليه اسم «قانون مودة».
توقفت طويلًا عند هذا الاسم. ما أبسط كلمة «مودة»، وما أشد افتقادنا لمعناها حين تتحول العلاقة التي يفترض أن تقوم على الرحمة والاحترام إلى مساحة للإهانة والسيطرة!
سعدت برؤية حراك تشريعي وطني يستند إلى مرجعيتنا الإسلامية، ويؤكد أن الحياة الزوجية ينبغي أن تقوم على الإحسان والرحمة، وأن كرامة الإنسان ليست محلًا للمساومة. شعرت، وأنا أتابع هذا المشهد، بأن الأصوات التي ظلت لسنوات حبيسة البيوت بدأت تجد طريقها إلى الفضاء العام، وبأن هناك أملًا في أن تتحول معاناة النساء إلى وعي مجتمعي، ثم إلى حماية قانونية ومؤسسية حقيقية.
لم أعد أرى حكايتي مجرد ألم شخصي، بل أراها جزءًا من حكايات نساء كثيرات ربما يعشن المعاناة نفسها، دون أن يمتلكن الشجاعة أو الفرصة للحديث عنها. ولعل هذا ما جعلني أشعر بأن اسم «مودة» يحمل بالنسبة إليّ معنى أكبر من مجرد مقترح قانوني؛ إنه تذكير بما ينبغي أن تكون عليه الأسرة، وبأن الرحمة لا تجتمع مع الإهانة، وأن المودة لا تعني السيطرة، وأن الصمت ليس دليلًا على الرضا.
لا أقول إن الطريق أصبح سهلًا، ولا إن سنوات الألم قد اختفت لمجرد أنني قررت الكلام. ما زلت أتعلم كيف أستعيد ثقتي بنفسي، وأحمي كرامتي، وأوفر لأطفالي بيئة أكثر أمانًا واستقرارًا. لكنني لم أعد تلك المرأة التي تبتلع كلماتها خوفًا من مواجهة جديدة. أعرف الآن أن لي صوتًا، وأن من حقي أن أستخدمه.
إلى كل امرأة تعيش خلف الأبواب المغلقة حكاية تشبه حكايتي، أقول: لا تنتظري حتى يترك العنف أثرًا على جسدك لتدركي أنه موجود. فهناك جروح لا يراها أحد، وكلمات تهدم ما لا تستطيع الأيدي هدمه. لا تظني أن اعتيادك على الألم دليل على أنه أمر طبيعي، ولا تسمحي لأحد بأن يقنعك بأن كرامتك ثمن يجب أن تدفعيه للحفاظ على أسرتك.
وإلى كل أم: لا تدعي أطفالك يعتادون رؤيتك مكسورة، ولا تجعليهم يعتقدون أن الخوف هو لغة البيوت، أو أن الإهانة جزء من الحياة الزوجية. إن شجاعتك في طلب المساعدة والدفاع عن كرامتك قد تكون أول درس يتعلمونه عن الاحترام والأمان.
أما أنا، فقد تعلمت أن المودة التي ننشدها لا تبدأ بالقوانين وحدها، بل باحترام الإنسان داخل بيته، والاعتراف بحقه في أن يعيش دون خوف أو إهانة. وأتمنى أن يكون مقترح «قانون مودة» خطوة حقيقية نحو مستقبل لا تضطر فيه أي امرأة أخرى إلى انتظار رؤية الخوف في عيني ابنتها حتى تدرك أنها تستحق حياة أفضل.
فبعض الجدران لا تنهار تحت وقع الضربات، بل تحت ثقل الكلمات…
وبعض الصباحات لا تشرق في السماء فحسب، بل تولد أولًا في قلب امرأة قررت أخيرًا ألا تصمت.